الخطبة الأولى بعنوان: ولله الأسماء الحسنى

اسم كاتب الخطبة: الخطبة للشيخ عبدالمحسن بن عبدالرحمن القاضي

خطب في موضوع الأسماء الحسنى

الخطبة الأولى بعنوان: ولله الأسماء الحسنى

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذي لم يتخذ وَلداً، ولم يكُن لهُ شَريكٌ في الملكِ، ولم يَكن لَهُ وليٌ مِن الذُّلِ، ومَا كانَ مَعه من إله، لا خالقَ غيرهُ ولا ربَّ لنا سواه.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ومجتباه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا الله تعالى، وتعالوا بناء لنؤمن ساعة، فالعلمُ بالله أحَدُ أركانِ الإيمان بل أصلُها، وأطيَبُ ما في الدنيا معرفةُ الله سبحانه بأسمائه وصفاته ومحبَّتُه، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: 180]، وقال ﷺ "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ"([1])، وَذَلِكَ بِمَعِرفتِهَا لَفظاً ومَعنىً، والقِيامِ بِحَقِهَا، والدُعَاءِ بِها.

وأَسماءُ الله أَحسَنُ الأَسماءِ، وصِفَاتُهُ أَكمَلُ الصِفَاتِ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، ولذلك كثرت في القرآن ختاماً للآيات.

فهُو اللهُ الذي لا إِلهَ إِلا هُوَ، وَهُوَ الإِلهُ المقصودُ والرَّبُ المعبودُ.

وربُّنا تَعَالى هُوَ الرَّحمن الرَّحيمُ الّذِي وسِعت رَحمتُه كُلَّ شَيءٍ، قال ﷺ: "إن لله مئةَ رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحشُ على ولدها، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وأخَّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة"([2]).

وربنا هو الأول ليسَ قَبلهُ شَيءٌ، وَالآخرُ ليسَ بَعدْهُ شَيءٌ، والظَاهِرُ فَليسَ فَوقَهُ شَيءٌ، والبَاطِنُ فَليسَ دُونَهُ شَيءٌ، فالظَاهِرُ عُلُّوهُ وعَظَمَتُهُ، وَالبَاطِنُ قُربُهُ ودُنُوهُ.

وَهُوَ الوَالي فَلا مُنَازِعَ لَهُ ولا مُضَادَ، المتعَالي عَن الشُركَاءِ والأَندادْ.

وَهُوَ الملِكُ المتَصَرِّفُ فِي خَلقِهِ كَمَا يَشَاءُ، وهُوَ مَالِكُ السَمَاواتِ والأَرضِ.

وَهُوَ القُدُّوسُ المنزَّهُ عَن النَقَائِصِ.

وهو السَلام والمؤمِن فخَلْقُه آمِنونَ مِن أَنْ يَظلِمَهُم أو يَبْخَسَهُم حَقَّهُم.

مهَيمِنٌ عَلى خَلقِهِ، مُطَّلِعٌ عَلى خَفَايَاهُم وَخَبايَا صُدُورِهم، فَلا تَأمَنُ مَكرَ اللهِ إِن عَصَيتَه.

وهُوَ الشَّهِيدُ عَلى أَقوالِ وأَفعالِ عِبَادِهِ، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا[النساء: 79].

هُوَ العَزِيزُ لا يُغلَبُ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: 10]، عَزَّ كُلَّ شَيءٍ فقَهَره، يُعِزُّ أهلَ طَاعَتِهِ، ويُذِلُّ أَهلَ عَدَاوتِهِ.

وهُوَ العَليُّ الأَعلَى، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، المتعالي على عباده سبحانه.

وهو الجبَّار جبَر خلقَه على ما يُريد، وهو سبحانَه جابِرُ قلوبِ المنكَسِرين.

هُوَ الكبيرُ، وكُلُّ شَيءٍ دُونَه، ولا شيءَ أَكبرُ مِنه.

هو المتكبِّرُ وَحدَه، ولا يليق الكِبْرُ إلاّ به، وجعل جهنمَ مثوىً للمتكبرين من عباده.

وهو الخالِقُ، أوجدَ الكونَ وأبدعه، فأبهَر مَن تأمَّله، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].

هو البارِئ، بَرَأ الخلقَ مِن عدَم، نجومٌ وشمس وقمَر، وخَلْقٌ في الأفُق، كلٌّ في فلَكٍ يَسبحون.

وهو المصوِّر، صوَّر خلقَه على صفاتٍ مختَلفة، وهيئاتٍ متباينة كيفَ شاء، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النُّورُ: 45].

وهو القابض الباسط، فيقبضُ رزقَه عمن يشاءُ فَيقْدِرُ عليه، ويبسطُه على من يشاء فيوُّسع عليه، وله القبض والبسط في أعمال عباده وقلوبهم، كل ذلك إليه وحده.

وهو الخافض الرافع، الضار النافع، المعطي المانع، فلا رافع لمن خفض، ولا خافض لمن رفعه، ولا نافع لمن ضر، ولا ضار لمن نفعه، ولا مانـع لما أعطى، ولا معطي لمن منعه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأَنْعَامُ: 17-18].

يقول تعالى عن نفسه: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَري فتضروني"([3]).

هو الولي الواحد، الواجد الماجد، لا إله إلا هو، المعز المذل، أعز أولياءه المؤمنين، وأَذَلَّ أَعداءَهُ الكافرين

وهُوَ الغفُورَ الغَفَّارُ، يَمحُو ذُنوبَ مَن أَنابَ إِليهِ مِن عِبادِهِ وإِن كَثُرت خَطاياهُ.

وهُوَ القَهَّارُ، كل الخلقُ تَحت قَهرِه وقَبضته، وكل ما في الكونِ بمشيئتِه.

وهو الفتَّاحُ، يَفتح أبوابَ الرزق والرحمة وأسبابها لعبادِه.

وهو الرزَّاق، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [سبأ: 24]، فما من دابَّة في الأرض إلاّ على الله رِزقُها، رزَقَ الأجنّةَ في بطونِ الأمّهات، والسِّباعَ في القِفار، والطيورَ في أعالي الأوكار، والحيتانَ في قعر البِحار.

وهو الوهَّاب، بِيده خزائن السَّماوات والأرض، وهَب الذريَّة الطيَّبة لمن شاء بعد الكِبَر، ووهب سليمان مُلكًا لا يَنبَغي لأحدٍ مِن بعدِه.

وهو العليم، لا يخفَى عليه قول ولا فعلٌ مما يجتَرِحُه العباد، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7].

وهو السَّميع، يسمَع النّجوَى وما أُعلِنَ، والسِرَّ وما أُخْفِي، تقول عائشة 1: الحمدُ للهِ الَّذي وسِع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادِلةُ إلى النَّبيِّ ﷺ، وأنا في ناحيةِ البيتِ، تشكو زوجها، وما أسمعُ ما تقولُ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1]([4]).

وهُوَ البَصيرُ، يرَى خَوافِيَ الأُمور وإِن دَقَّت، يَرى في ظُلَم الليلِ مَا تَحت الثَّرَى، ويُبصِرُ قَعرَ البَحرِ في الليلة الدّهماء.

وهو الكبيرُ فكُلَّ شيءٍ دُونَه، الأَرضُ قَبضتَهُ يَوم القِيَامَةِ، والسَمَاواتُ مَطوياتٌ بِيمينِهِ كَمَا قَالَ عن نفسه.

وهُوَ الحقُ الذي يُبِطِلُ البَاطِلَ.

المغِيثُ لِجَميعِ مَخلُوقَاتِهِ، فَمَا استغاثَ بِهِ مَلهُوفٌ إِلا سَمِعَ شَكْواه.

وهُوَ الحسيبُ الوكيلُ لمن توكل عليه، نعم المولى ونعم النصير.

الجليلُ الذي جَلَّ عَن كُلِّ نَقصٍ، واتصفَ بِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ.

الجميلُ لَهُ مُطلقُ الجمالِ في الذَاتِ والصِفَاتِ، والأَسمَاءِ والأَفعال.

الوَاسِعُ الذي وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلَمَاً.

البَاعثُ الذي يبَدأَ الخلق ثم يُعيدُه، وَهُوَ أَهونُ عَليهِ.

الفَعَّالُ لِمَا يُريدُ.

الوَارِثُ الذي يَرِثُ الأَرضَ ومَن عليهَا.

الحَكَمُ العَدلُ في قَضَائِه وقَدَرِهِ، وشَرعِهِ وأَحكَامِهِ، قَولاً وفِعلاً، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[هود: 56]، فَلا يَحيفُ في حُكمهِ ولا يجورُ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: 46].

هو الحكيم لا يدخُل في أحكامه ولا تشريعَاته خللٌ ولا زَلَل، ﴿وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: 41].

هُوَ اللّطيفُ الذي يَلطُف بِعبادهِ، ويَسوقُ إليهم الرزقَ وهُم لا يَشعرون.

وهو الخبيرُ بعباده وشؤونهم، ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا[الفرقان: 59].

وهو الحليمُ لا يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ على عِبَادِه بِذُنُوبِهم، ولا يَحبِسُ إِنعَامَهُ وأَفضَالَهُ عنهم بِخَطِيئَاتِهم، يَعصُونَهُ ويَرزُقُهُم، يُذنِبُونَ ويُمهِلُهُم، يُجَاهِرونَ ويَسترهم؛ لأنه الحليم، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ[الانفطار: 6].

وهُوَ العَظيمُ ذَلَّت لِعَظَمَتِهِ الرِّقَابُ، إِذَا تَكَلَّمَ بِالوَحيِ أَخذَتِ السَمَاواتُ مِنهُ رَجفَةٌ أَو رعدةٌ شديدةٌ؛ خَوفًا مِن اللهِ جل جلاله، فَإِذا سَمِع ذَلكَ أَهلُ السَمَاواتِ صُعِقُوا وخَرّوا للهِ سُجَّدًا([5]).

وَهُوَ الوَدُودُ يَتَودَدُ إِلى عِبَادِهِ بِعَطفِهِ ورحمتهِ ومَغفرتِه.

الصَبُورُ فَلا أَحد أَصبَر عَلى أَذَىً سَمعِهِ مِن الله([6]).

يمهل للظالِمِ حَتى إِذا أَخذهُ لم يُفلته.

وهو الشّكورُ، يُعطي الجزيلَ عَلى اليسيرِ مِنَ العمَلِ، ويَغفِرُ الكَثيرَ مِنَ الزَّلَل، فلا تَحقِر أَيَّ عَملٍ صَالحٍ وإن قَلَّ، فَالحسَنَةُ تَتَضَاعَف، ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى: 23]

وهو الحفيظُ، يَحفَظُ أَعمالَ العِبَادِ ويُحصِي أَقوالَهم، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى[طه: 52]، ويَحفَظُ عِبَادَهُ مِن المهَالِكِ.

المحصِي الذي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: 12].

وهو المبدئ والمعيدُ، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ[الأنبياء: 104].

وَهُوَ المحيي والمميتُ، انفردَ بِالإِحياءِ والإِماتَةِ.

الحيُّ الدّائِمِ البَاقِي الذي لا يَموتُ، وَكُلُّ مَا سِواهُ زَائِلٌ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ[الرحمن: 26-27].

القَويُّ فلا يُعجِزهُ شَيءٌ، قوِيٌّ في بَطشِهِ، ومَن تَأمَّلَ قُوّةَ مَن عَصِى تَركَ ما عَصَى.

وهُو سُبحَانه الشَافي، يَشفِي ويُعافي مِن الأَمراضِ والأَسقَامِ، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80].

القَادِرُ والمقتدِرُ، المقدِّمُ والمؤَخِرُ، بِقدرَتِهِ الشَامِلة ومَشِيئَتِهِ النَافِذَةِ، وفقَ مَا قَدَّره وسَبق بِهِ عِلمُه، وتَمَّت بِهِ كَلمته.

وهُوَ المنَّانُ، يَبدأُ بِالعَطَاءِ قَبلَ السُؤالِ.

وَهُو الكَافي لِعبَاده الذي يَحتَاجُونَ إِليه.

وهُوَ الرفَيق الذي يُحِبُ الرفق في الأُمُورِ كُلِّهَا.

والله سبحانه هو المحسِن، الذي غمَر الخلقَ بإِحسانهِ وفَضِلِهِ.

وهوَ الكريمُ، يُعطِي ويُجزِلُ في العَطاءِ، ليسَ بَينَهُ وبَينَ خلقِه حِجاب.

وهو حيِيّ ستير، "يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا"([7])، يُحِبُ أَهلَ الحياءَ والستر.

وُهُوَ الرَقيبُ فلا يَغفل عَن خَلقِهِ، ولا يُضَيِّعُهُم، ﴿وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون: 17].

وهُوَ الوَدُودُ، يَتَودَّدُ لعِبَادِهِ بِالنّعَمِ، ومَن تَرَكَ شَيئًا لأَجِلِّهِ أَعطَاهُ المزيدَ.

وهو المجيد، لا مجدَ إلا مجدُه، وكلُّ مجدٍ لغيره إنما هو عطاءٌ وتفضُّلٌ منه سبحانه.

وهو الحميدُ، المستَحِقُّ للحمد والثناءِ، المحمودُ في السراء والضراءِ، وحمدُه سبحانه من أجلّ الأعمال، قال ﷺ: "والحمدُ لله تملأ الميزانَ، وسبحان الله والحمد للهِ تملآن أو تملأ ما بين السماواتِ والأرض"([8]).

الحيُّ القيّوم، القَائِم بأمرِ جميعِ الخَلائقِ، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 17].

وهُوَ الصّمَدُ الذي تَصمُدُ إِليهِ الخلائِقُ في حَاجَاتِهَا، وتبُثّ إِليهِ شَكواهَا.

وهُوَ السيِّدُ، إِليهِ الملجَأُ وحدَهُ عِند الشّدَائِدِ والكرُوبِ.

وهُوَ القَديرُ، بتَمامِ القُدرةِ قَالَ لِنَارٍ مُحرِقةٍ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[الأنبياء: 69]، وأَمرَ بَحرًا زَاخِرًا بِالأَمواجِ أَن يَكونَ لِمُوسَى طَريقًا يبَسًا.

هو البَرّ، يُحسِنُ إِلى عِبادِهِ، ويُصلِحُ أَحوالَهم، بَرٌّ بِالمطيعِ في مُضَاعَفَةِ الثَوابِ، وبَرٌّ بالمسِيءِ في الصّفحِ والتَجَاوُزِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: 28].

وهو التّوَّاب، لا يردُّ تائبًا، مَن جاء إليه في ليلٍ أو نهار قَبِلَه بل وأحبَّه، فهو ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة: 222].

وهو المحيط أحاط بكل شيءٍ علماً.

وهو العفُوّ، فمهما أسرَفَ العبد على نفسِه بالعِصيان ثمّ تاب عفَا عنه وغفر له ذنوبه.

وهو المنتقم لم يقم لغضبه شيء.

وهو شَديدُ العِقَابِ، ذُو البَطشِ الشَّدِيد.

وهُوَ الرّؤوفُ بِجَميعِ خَلقِهِ، يُغدِقُ عَليهمِ الأَرزَاقَ وإِن عَصَوهُ؛ رَأفَةً مِنهُ بِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ[البقرة: 143].

وهُوَ الغنيُّ عن خَلقِه، وكُلُّهم مُفتَقِرونَ إِليه، لا غنى بِهم عن فضله، يدُه ملأَى لا تَغيضها النفقَة([9])، يَقولُ سُبحَانه: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر"([10]).

مَالِكُ الملكِ، يُؤتِي الملكَ مَن يَشاءُ، ويَنزِعُ الملكَ مِمَن يَشاءُ، ويُعِزُّ مَن يَشَاءُ ويُذِّلُ مَن يَشَاءُ.

ذو الجلالِ والإِكرامِ، والعِزَّةِ والبَقَاءِ، والملكُوتِ والجبروتِ، والعظَمَةِ والكِبريَاءِ.

المقسطُ الّذِي أَرسلَ رُسُلَهُ بِالبيناتِ، وأَنزلَ مَعَهُم الكِتَابَ والميزانَ؛ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ.

الجامِعُ لِشَتَاتِ الأُمُورِ، جَامِعُ النَّاسِ لِيوم لا ريب فيهِ، إِنَّ الله لا يُخلِفُ الميعاد.

وهُوَ الجوادُ الّذِي عَمَّ بِجودِهِ جَميعَ الأَنامِ، مِن طَائِعٍ وعَاصٍ، وقَويٍّ وضَعيفٍ.

هُوَ نُورُ السَمَاواتِ والأَرضِ ومَن فِيهنَّ، وذو الجلالِ والإِكرامِ، بَديعُ السَمَاواتِ والأَرضِ، كما وصف نَفسَهُ بِذلِكَ في كِتَابِه الكريم.

فَنَعُوذُ بِنُورِ وجههِ الذي أَشرقت لَهُ الظُلُمَات، وصَلُحَ عَليهِ أَمر الدُنيا والآخرة أن يَنزِلَ بِنا غَضَبُه، أَو يَحلَّ عَلَيْنَا سَخَطُه.

هَذا هُوَ الله رَبُّنَا بِأَسَمَائِهِ الحُسْنَى وصِفَاتِهِ الْعُلَا، القَائِل: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180]، فالله يُحبُّ مَن يَدعوهُ بها ويَحمدهُ عليها، وأَكمَلُ النَّاسِ عُبوديَّةً هو المتعبِّدُ للهِ بِجميعِ أَسْـمَائِه وصِفَاته.

نادى المحِبُّ بليلهِ ربَّاه *** أسماءَك الحُسْنى تَلَتْ شَفَتاهُ

ويذرِّفُ الدمعاتِ يفجرُها الدُجى *** يا طالَما جادَتْ بها عَيْناهُ

وبَلاؤُه نَحَتَ الردَى بعظامِه *** والهمُّ في لججِ الشقا أشقاهُ

أدعوكَ بالحسنى مِنَ الأسما استجبْ *** أحصَيْتُها أأنَالُ مِنْ نَعْمَاهُ

وَبِهَا أُدنْدِنُ شَادِياً مُتَلهِّفاً *** كالطيرِ يَرجُو القطرَ بُلَّ صَداهُ

أيَردُّ جودُك راجِياً متوسِّلاً *** أحْيا الدُجى يَرجُوكَ يا اللهُ

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ عَظيمَ العِلمِ بِكَ، وكَثرةَ الأُوبةِ إِليك، وقُوةَ الإيمانِ بِكَ، وصِدقَ الالتِجَاءِ إِليكَ، ومَعرفَةِ أَسْمَائِكَ وَصِفَاتِكَ التي بِهَا نَعَبُدُكَ.

وَارْزُقْنَا اللَّهُمَّ اليَقِينَ بِدينِكَ، وحُسنَ الاتِّــبَاعِ لِنَبيّكَ ﷺ.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

([1]) أخرجه البخاري (2736)، ومسلم (2677).

([2]) أخرجه البخاري (6000)، ومسلم (2752).

([3]) أخرجه مسلم (2577).

([4]) أخرجه النسائي (3460)، وابن ماجه (188).

([5]) جاء ذلك في حديث أخرجه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (216).

([6]) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (7378)، ومسلم (2804).

([7]) أخرجه أبو داود (1488)، والترمذي (3556)، وابن ماجه (3865).

([8]) أخرجه مسلم (223).

([9]) جاء ذلك في حديث أخرجه البخاري (4684)، ومسلم (993).

([10]) أخرجه مسلم (2577).

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ وَحدهُ، والصَلاةُ والسلامُ عَلى مَن لا نَبي بَعدهُ، أَمَّا بَعْد:

مِفتَاحُ دَعوةِ الرّسُلِ وخُلاصَةُ رِسَالتهِم مَعرِفَةُ اللهِ بِأَسَمَائِهِ وصِفَاتِهِ وأَفعَالِهِ، وهَذا يَستَلزِمُ إِجلالَهُ، وَتَعْظِيمَهُ، ومَحبَّتَهُ، والتَوكُّلَ عَليهِ، والرضِا بِقضَائِه، والصَبرَ عَلى بَلائِه.

وعَلى قَدرِ المعرِفَةِ يَكونُ تَعظيمُ الرّبِّ في القَلبِ، وأَعرَفُ النَّاسِ بِاللهِ أَشدُّهُم لَهُ تَعظِيمًا وإِجلَالاً، ومَن عَرَفَ أَسماءَ اللهِ وصِفَاتِه عَلِمَ يَقينًا أَنَّ ما يصيبُهُ من محنٍ ينزِلُ مَعَهَا مِنَ المصَالِحَ التي لا يُحصِيهَا علمُه.

والله سبحانه كريمٌ يحبُّ الكَريم مِن عِبادِه، حَليمٌ يُحِبُّ أَهلَ الحِلم، عَليمٌ يُحبُّ العُلَمَاءَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشَاكرين، ومُحسِنٌ يُحِبُّ المحسنينَ.

وأسماء الله لا تحصر بتسعةٍ وتسعين، ولا نَعلَمُ كَم هِيَ في الحقيقةِ، فَبَعضُهَا سمى الله بها نفسه، وبعضها أنزلها في كتابه وعلمها خلقه، وأسماء أخرى استأثر الله بها في علم الغيب عنده، لكن عَلينَا مَعرِفَةُ أَسماءِ الله تَعَالى التي جَاءَت في القُرآنِ والسُنَّةِ لِندعوَ اللهَ بِهَا، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[الأعراف: 180].

وهُناكَ أَسماءٌ تَرِد مُقْتَرِنَةً مَعَ بَعضِهَا غَالِباً، مِثل: القَابِضِ والبَاسِطِ، الخَافِض والرَافِعُ، وغَيرها.

وعَلى المسلِمِ أَنْ يَحذَرَ مِن إِطلاقِ أَسماءِ للهِ أَو صِفَاتٍ لَهُ لم تَثبت، مِثل النَّصَارَى الذين يُطلِقُونَ عَلى اللهِ اسم الأَب أو السماء، أو ما يفعله الفلاسفة فَيُسمُونَهُ مُوجباً بِذَاتِهِ، أَو يقولون: مُهَندِس الكَونِ، فَأَسماءُ اللهِ وصِفَاتُهُ كُلُّهَا تَوقِيفِيَةٌ، لا نُثبِتُ مِنْهَا إِلا مَا ثَبُتَ بِالكِتَابِ والسُنَّةِ.

وتفكّروا يا عباد الله فِي أَسماءِ اللهِ وصِفَاتِهِ بَعد حِفظِهَا وفَهم مَعنَاهَا، وتَعبدُوا الله تعالى بِها، فَمَا كَانَ مِنْهَا دَالاً على العَظَمَةِ والجبروتِ والكِبريَاءِ فَنُؤمِنُ بِها ونَخضَعُ لَها، ومَا كَانَ مِنْهَا دَالاً عَلى الرّحَمَةِ والمغفِرّةِ فَنُوطِن أَنفُسَنَا عَلى الخيرِ والتَراحُمِ؛ عَمَلاً بها.

اللَّهُمَ يَا من عَلا وقَهر، وأَعزَّ ونَصر نَسأَلُكَ نَصراً مُؤَزَرَاً لإِخوانِنَا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اجبر كسرهم، وتولَّ أمرهم، واحْمِ أعراضهم ونساءهم وأموالهم.

اللهم احم حدودنا، وانصر جنودنا، واكفنا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين([1]).

 
 

([1]) الخطبة للشيخ عبدالمحسن بن عبدالرحمن القاضي.

عدد الكلمات

4474

الوقت المتوقع

14 د


منبر الحسنى

تاريخ الطباعة/التصدير: 2024-06-19 19:44م