اسم الحليم

اسم كاتب الخطبة: ملتقى الخطباء، الفريق العلمي

الخطبة الثالثة بعنوان: إنه كان حليما

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، وفَّق من شاء لطاعته فكان سعيهم مشكورًا، ثم أجزل لهم العطاء والمثوبة فكان جزاؤهم موفورًا، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره إنه كان حليمًا غفورًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يتم بنعمته الصالحات، ويجزل بفضله النعم، إنه كان لطيفًا خبيرًا.

وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، خير من صلى وصام فكان عبدًا شكورًا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، وعظّموه حق تعظيمه، واقدروه قدره، ولا تغتروا بحلمه، ولا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور.

ومن العجيب حقًّا أن الإنسان كثيرًا ما ينظر حوله فيجد أحوالاً عجيبة، فهناك إلحاد وعصيان، ومعاصٍ منتشرة، وظلم وبغي وعدوان، ويتساءل المرء مندهشًا عن سر استمرار هذا الهذيان، وظهور المنكر، وفشو الطغيان في بعض الأوطان، ويستعجل بعض الناس إهلاك العصاة، وتدمير البغاة، ويتعجبون لماذا أبقى الله هؤلاء؟

ولا إجابة خير من أنه الحليم جلّ في علاه، فلا أحد أصبر على أذىً سمعه من الله([1])، فهو الحليم العليم، الغني عن العالمين، لا تضره معصية العصاة، ولا تنفعه طاعة الطائعين، سبحانه وتعالى الملك الحق المبين.

أيها المسلمون: إن الذي ينظر في الكون وآفاقه يشعر بجلال الله وعظمته، فالكون كلُّه عاليه ودانيه، صامته وناطقه، أحياؤه وجماداته، كلها خاضعة لأمر الله، منقادة لتدبيره، شاهدة بوحدانيته وعظمته، ناطقة بآيات علمه وحكمته، دائمة التسبيح بحمده، فسبحان من ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44].

أيها المؤمنون: لقد أثنى الله تبارك وتعالى على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه الحليم، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 225]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 235]، وقال جل وعلا: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263]، وقال سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: 12]، وقال عز وجل: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: 59]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: 17].

واعلموا -عباد الله- أن الله عز وجل يحب المحامد، ومن محامده جل شأنه أنه حليم، فهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، لعل العبد المذنب أن يتوب أو يرجع.

وقد مدح الله عباده المتصفين بالحلم من أنبيائه وأصفيائه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: 75]، أي صبور على الأذى، لا يصفح عن الجناية فقط بل يقابلها بالإِحسان، ووصف الله إسماعيل -عليه السّلام- بأنه حليم وهو لا يزال غلامًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات: 101].

والحلم يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر، والعفو عمن جنى.

والحلم صفة كريمة تقوم على الحكمة، والعلم، والصبر.

وقد وصف نبينا محمدٌ ﷺ ربه -وهو أعرف الخلق به- بأنه الحليم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ 5 قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ"([2])، وعَنْ يَعْلَى بن أمية t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بلا إزار -أي: في الفضاء الواسع-، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثم قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ"([3]).

ومدح نبينا ﷺ الحلماء وأثنى عليهم؛ لأن الحلم صفة محمودة في الإنسان، فعن زَارِع بن عامر t -وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِالْقَيْسِ- قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ ورجله، قَالَ: وَانْتَظَرَ الْمُنْذِرُ الْأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ -خزانة ملابسه- فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: "بَل اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا"، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ([4]).

وكان ﷺ مثالاً رائعًا في الحلم، فعن أَنَس t قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَذْهَبُ، وَفِى نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ"، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّه([5]).

وتيقنوا -أيها المسلمون- أن أعظم الحلم على الإطلاق هو حلم رب العالمين، فعَنْ أَبِي مُوسَى t عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أحَدٌ أوْ لَيْسَ شَيْءٌ أصْبَرَ عَلَـى أذًى سَمِعَهُ مِنَ الله، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ"([6])، فسبحان الحليم الكريم، اللهم اشملنا بحلمك وعفوك.

وإن من الحلم -إخواني- كظمَ الغيظ، وقد ذكره القرآن وحث عليه، وأثاب عليه، واعتبر الكاظمين الغيظ من المحسنين، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134]، فالمؤمن يكظم غيظه حبًّا لله، وتقربًا إليه، وتنفيذًا لأمر نبيه ﷺ، وعملاً بسنته، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ 5 قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ"([7])، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ t عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الخَلاَئِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ"([8]).

أيها المسلمون: والحلم لغة الأناة والتعقل، ومعالجة الأمور بصبر وعلم وحكمة، والحليم سبحانه هو الصبور المتصف بالحلم، ذو الصفح والأناة، فيمهل ولا يعجل، يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ، لم يعاجل الكفار بعذابٍ يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم، وهذا من صفات كماله، فحلمه سبحانه ليس لعجزه عنهم، بل إنه سبحانه يستر ويغفر، ويفرح أشد الفرح بتوبة التائبين، ولذا يترك تعجيل عذابه لمن أشرك وكفر به من خلقه.

وهو سبحانه ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستَخِفّهُ جهلُ جاهلٍ، ولا عصيانُ عاصٍ، ومع ذلك يعفو عن السيئات، ويتجاوز عن الزلات، ويمهل عباده الطائعين ليزدادوا من الخير والثواب، ويمهل العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا أحد من العقاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً [الكهف: 58]، فسبحان الحليم الغفور.

وإن إمهال الحليم سبحانه للعصاة في الدنيا فيه حِكَم بالغة، فلعل الله يُخرِج من ظهور هؤلاء مَنْ يؤمن به، ومَنْ يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيرًا في تاريخ الإسلام، فمِنْ ظَهْر أبي جهل جاء عكرمةt ، وأمهل الله خالد بن الوليد t، فكان أعظمَ قائد في الإسلام.

والحليم سبحانه هو الكريم الذي يدرّ على خلقه صنوف النعم الظاهرة والباطنة، الغني عن عباده، فالله الكريم الحليم يرزق العاصي كما يرزق المطيع، ويقيته وهو منهمك في معاصيه، قال تعالى: ﴿كُلاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء: 20].

فالله سبحانه قد استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم موعود وأجل محدود، وأغدق عليه من نعمه بغض النظر عن عمله، مع كمال حلمه وعلمه، وهو صفحٌ وإمهالٌ مع القدرة، فإن الله قوي لا يعجزه شيء، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: 44].

كما أن حلمه سبحانه ليس لحاجته إلى خلقه، بل يحلم عنهم، ويصفح ويغفر لهم مع استغنائه عنهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد: 38].

وحلمه سبحانه ليس عن عدم علم بما يعمل العباد، بل هو المطلع العليم الحليم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [الأحزاب: 51].

واعلموا -عباد الله- أن من صور حلم الله سبحانه وعفوه أنه لا يؤاخذ عباده بلغوِ اليمين، الذي كثيرًا ما يقع فيه المسلم، قال الحليم سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 225]، ومناسبة اقتران الغفور بالحليم هنا دون الرحيم؛ لأن مغفرة الحليم هنا لذنب يُشعِر بالتقصير في الأدب مع الله تعالى، فلذلك وصف الله نفسه بالحليم، لا بالرحيم؛ لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للغفلة والزلة، ويقبل المعذرة، فسبحان من هذا كلامه، وهذا وصفه سبحانه.

ولنتدبر في اقتران اسم الله الغني باسمه الحليم في آية الصدقة ففيه لطيفة عظيمة، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263] ففي ذلك سر بليغ ومعنى جميل، وهو أنه سبحانه غني عن صدقات العباد، وإنما أمرهم بها لمصلحة تعود إليهم، وهو غنيٌّ عن الصدقة التي يتبعها المن والأذى فلا يقبلها، وهو غنيٌّ لا يُحوِج الفقراء إلى تحمُّل مؤونة المن والأذى بل يرزقهم من جهة أخرى، الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة على المن والإيذاء.

أيها المسلمون: تخيلوا لو أن الله عجَّلَ العقاب لكل مذنب حين يقع في ذنب، فبهذا يُحرم العباد من حلم الله، وكذلك لو أنه أخَّر العذاب وأراد بعد تأخيره أن يُنزِل بالعاصي أشد العذاب فإن هذه الحالة يسميها العلماء حقدًا، وحاشا لله، فالله يؤخر العقاب ليُعطي هذا الإنسان فُرصةً ليعود، لا ليشدد الانتقام عليه، وهذا هو الحلم، فما أحلم الله على العصاة من عباده، وما أجهل البشر بأسماء الله وصفاته.

فالله يريد للناس الرحمة والإمهال، ولكن الأجلاف والجهال منهم يرفضون تلك الرحمة وذلك الإمهال، حتى يسألون الله أن يعجل لهم العذاب والنقمة، كما قال سبحانه عن كفار مكة: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32]، كان الصواب أن يقولوا: إن كان هذا الذي جاء به محمد هو الحق فاهدنا له، بدل أن يقولوا: أنزل علينا حجارة، نسأل الله العافية.

عباد الله: اعلموا أن الحليم سبحانه هو الذي يؤخر العقوبة عن الطغاة في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، بل يجزون بأعمالهم، ويعاقبون على ذنوبهم، إلا أنه يُرفع العذاب عمن شاء الله من عصاة المؤمنين.

وثقوا -إخواني- أنه لولا حلم الله عن الجناة، ومغفرته للعصاة، لما استقرت البحار والسماوات والأرض لغضبهما وحنَقهما على العصاة، لما يحصل من شدة الكفر وعظيم الجرائم، ومن ذلك قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم: 88-91]، فإن السماوات والأرض تهمُّ وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد من الكفر والفسوق والعصيان، فيمسكهما الله بحلمه ومغفرته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: 41].

ولو شاء سبحانه لعاجل العصاة بالعقوبة، فأذن للسماء فحصبتهم، وأذن للأرض فابتلعتهم، ولكنه سبحانه حليم يمسك عنهم العذاب بقدرته وحلمه وصبره، فسبحان الحليم الذي ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]، فما من شيء إلا يسبح بحمد ربه، من حيوان، ونبات، وجماد، والسماوات، والأرض، ومن فيهن، إلا عصاة بني آدم، ومع ذلك يرزقهم الحليم، ويعافيهم.

سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك.

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بالآيات والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان حليمًا غفورًا.

 

([1]) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (7378)، ومسلم (2804).

([2]) أخرجه البخاري (7426)، ومسلم (2730).

([3]) أخرجه أبو داود (4012)، والنسائي (406).

([4]) أخرجه أبو داود (5225).

([5]) أخرجه مسلم (2310).

([6]) أخرجه البخاري (6099)، ومسلم (2804).

([7]) أخرجه ابن ماجه (4189).

([8]) أخرجه أبو داود (4777)، والترمذي (2021)، وابن ماجه (4186).

الخطبة الثانية

الحمد الله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنه كان حليمًا غفورًا.

وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المسلمون- تقوى من يعلم أن الله يعلم السر وأخفى، فتقوى الله فوز ونجاة، واحذوا غضبه وعقابه، فهو الحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة.

واعلموا أن خُلُق الحِلم حارس أمين يحول دون حماقات كبيرة قد ترتكس فيها الأفراد والجماعات، وصمام أمان لنتائج وخيمة قد تصل إليها.

والحِلم خُلق محبوب، فبه يكون العبد داعيا إلى الله سبحانه، وسببا في هداية الناس، وقد قيل: الحلم سيد الأخلاق.

عباد الله: ينبغي للمسلم أن يسعى إلى الاتصاف بالحلم حتى يكون واقعًا عمليًّا في حياته، من خلال تعاملاته مع الأهل، والإخوان، والأصحاب، وجميع المسلمين، والطريقُ لاكتساب صفة الحلم أن يتفكر العبد في حلم الله على عباده، وأن يعلم أنَّ الحلم يُكتسب بالتحلم، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t قال: قَالَ رسول الله ﷺ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإنما الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يتق الشَّرَّ يُوقِهِ"([1])، والتحلم -إخوتاه- هو السعي لكسر جماح النفس، حتى لا تَردّ السيئ بالمثل، ومحاولة التعامل مع المواقف السيئة بنوع من اللطف والهدوء، حتى يصبح ذلك طبعًا في النفس يحدث دون تكلف أو ادعاء.

واعلموا -عباد الله- أن الحلم صفة تُكسِبُ المرء محبة الله في الدنيا، ورضوانه في الآخرة، وهو دليلٌ على كمال عقل العبد، وسعة صدره وهدوئه، وقدرته على امتلاك نفسه، وتزكيتها، فالحلم خُلُقٌ عظيم يحبه الله ورسوله، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَشَجِّ عَبْدِ لْقَيْسٍ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"([2])، وقال ﷺ: "إن الله تبارك وتعالى يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذيء الفاجر السائل الْمُلِحّ"([3]).

وليحرص العبد الموفق -إخوتاه- على أن يدعو ربه باسمه الحليم، كما كان النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ، فيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"([4]).

قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: "فمن الواجب على من عَرَفَ أن ربَّهُ حليمٌ على من عصاه أن يحلُم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى؛ حتى يكون حليمًا، فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سَوْرَة غضبه، ويرفع الانتقام عمن أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعودَ الحِلم له سجية، وكما تحب أن يحلُمَ عنك مالكك فاحلم أنت عمن تملك، لأنك متعبَدٌ بالحلم مُثابٌ عليه، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله[الشورى: 40]، وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: 43]"([5]).

احرصوا -أيها المسلمون- على الحلم والصبر، فإن المسلم إذا كان حليمًا صبورًا تأنى في رأيه وحكمه، وقوله وفعله، وتخير ما هو أنفع له وللآخرين، وبادر بالتوبة إلى الحليم الرحيم، وإن اتصاف العبد بالحلم سببٌ لنيل حب الله ورسوله، فعن أبي هريرة t عن النبي ﷺ قال: "إن الله تبارك وتعالى يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذيء الفاجر السائل الْمُلِحّ"([6]).

وتيقنوا -عباد الله- أن المؤمن الحليم ينطوي على نفسٍ مطمئنة، صافية، مُسالِمة، لا حقد فيها، والله عز وجل يحب العبد الحليم؛ لأنه سبحانه حليم، ولأن الحلمَ يؤدي إلى تآلف القلوب، ويورث المحبة بين الناس، ويُزيل البغض، ويمنعُ الحسد، ولذا يمنح الله صاحب الحلم الدرجات العلا والجزاء الأوفى.

واعلموا -عباد الله- أن هناك وسائل تعين المسلم على أن يكون حليمًا، ومن ذلك:

أن يكون رحيمًا بالجهال، فمن أوكد الحلم رحمة الجهال، والعفو عن المسيء مع القدرة على الانتصار، فإن هذا يدل على الحلم وسعة الصدر.

وعلى المسلم كذلك أن يترفع عن السباب، فذلك من شرف النفس، وعلو الهمة.

وعليه ألا يستهين بالمسيء ولا يحتقره؛ لأن هذا قد يؤدي إلى ضرب من الكبر والعجب.

وكذا -إخواني- من أسباب كون الإنسان حليمًا أن يكرم الآخرين، وأن يصون لسانه، ويترفع عن أن يرد الأذى بالأذى.

وقد حُكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: "ما عاداني أحدٌ قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه"([7]).

ومن وسائل نيل الحلم -عباد الله- الحزم وقطع السِّباب، قال الشعبي: "ما أدركت أمي فأبرّها، ولكن لا أسبّ أحدًا فيسبّها"([8]).

 

وقال بعض الحكماء: "في إعراضك صونُ أعراضك"([9]).

وقال بعض الشعراء:

وفي الحلم ردعٌ للسفيه عن الأذى *** وفي الخرق إغراءٌ فلا تك أخرقا

ومن آكد طرق نيل الحلم وتحصيله: الخوف من عقوبة الله عز وجل، فقد قيل: الحلم حجاب الآفات.

وكذا الوفاء بالعهد، وحسن الخلق، وإن كان من أساء إليك له مكرمة سالفة عليك فعليك أن ترعاها له، وتتغاضى عن خطئه وفاءً له.

فكن -يا عبد الله- حكيمًا في التعامل مع الأمور، واعلم أنك إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابًا، وأوجعته عقابًا.

وفي الختام -أيها المسلمون- ما أجمل الحلم وكظم الغيظ وضبط النفس، فكم من بيوت خربت بسبب الطيش والعجلة، وكم من أرحام قُطعت، وكم من سجين في غياهب السجون أضرته العجلة ونسيان الحلم، وكم من علاقات قُطعت، ودماء سُفكت بسبب الحمق وعدم الحلم.

وانظر لحوادث السيارات، فكثير من أسبابها قد يكون بسبب اندفاع بعض الشباب وفقدهم الحلم والتروي، وكم من بلاء بسبب العجلة، وكم، وكم، وكم في الحياة من بلايا سببها عدم الحلم وقلة الصبر.

فسبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك.

فاحرصوا -عباد الله- على محبة الحليم سبحانه، واخضعوا لأمره، وانقادوا لشرعه.

جنبني الله وإياكم مضلات الفتن، ووقانا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

وأسأل الله أن يسعدنا بتقواه، وأن يجعل خير أيامنا وأسعد لحظاتنا يوم أن نلقاه.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا مبدلين ولا مغيرين.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيء الأخلاق والأعمال، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، واجعلنا من عبادك الصالحين([10]).

 
 

([1]) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (2663).

([2]) أخرجه مسلم (17).

([3]) أخرجه البزار في «مسنده» (9362).

([4]) أخرجه البخاري (6345)، ومسلم (2730).

([5]) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (ص97، 98).

([6]) أخرجه البزار في «مسنده» (9362).

([7]) انظر: أدب الدين والدنيا للماوردي (ص254).

([8]) انظر: أدب الدين والدنيا للماوردي (ص254).

([9]) انظر: أدب الدين والدنيا للماوردي (ص254).

([10]) الخطبة من ملتقى الخطباء، الفريق العلمي.

عدد الكلمات

5097

الوقت المتوقع

24 د


منبر الحسنى

تاريخ الطباعة/التصدير: 2025-04-26 02:17م